ابن حزم
76
رسائل ابن حزم الأندلسي
وأما قولهم : لوهن في طريقه فلم يصح ، فهذا علم ما يدرى منهم أحد يدري فيه كلمة فما فوقها ، ومن تكلم فيما لا يدري فقد تعرض لسخط الله ، إذ يقول : { وتقولون لأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم } ( النور : 15 ) . ثم أطرف شيء قولهم : " أو لم يقع الإجماع على استعماله " ؛ نسأل هذا الجاهل الذي أتى بهذه الطامة عن كل ما يدينون ما خالف فيه مالكاً سائر العلماء ، وربما بعض أصحابه : هل وقع الإجماع على استعماله ( 1 ) أم لا فغن قالوا : وقع الإجماع على استعماله ، كابروا أسمج مكابرة ، وناقضوا بادعائهم الإجماع على ما فيه الاختلاف بإقرارهم . وغن قالوا : لم يقع الإجماع على استعماله ، قيل لهم : فكيف تعيبون القول بما لم يقع الإجماع على استعماله وأنتم تقولون في أكثر أقوالكم بما لم يقع الإجماع على استعماله ولو أن من هذا مبلغه من العلم سكت ، لكان أولى به وأسلم ، والحمد لله على مننه . 4 - ثم قالوا : " وليس يشك أن المتقدمين من الصحابة والتابعين والسلف الماضين قد بحثوا عنه ووقفوا منه على حقيقة أوجبت تركه أو استعماله ( 2 ) ، فسكتوا عن ذلك للمعرفة الثابتة التي وردتهم ( 3 ) ، وإنهم في غير الثقة والقبول غير متهمين " . فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إنه جرى ( 4 ) أيضاً في هذا الفصل أيضاً من البرد والغثاثة على مثل ما جرى عليه قبل هذا . ويقال لهم : هل اتفقوا - [ اعني ] الصحابة والتابعين والسلف الماضين - على كل شيء من مسائل الدين حتى لم يختلفوا ، أو اختلفوا فان هم ( 5 ) قالوا : لم يختلفوا في كل مسألة ، ظهر كذبهم على جميعهم وصاروا في نصاب من يرجم لعظم ما تقحم [ 174 / أ ] فيه . وإن قالوا : اختلفوا في كثير من المسائل ، قيل لهم : صدقتم ، فأما ما اجتمعوا عليه فنحن الذين اتبعوا إجماعهم ، ولله الحمد كثيراً ، وإنما خالف إجماعهم من دعا إلى تقليد إنسان بعينه ، كما فعل هؤلاء في تقليدهم مالكاً دون غيره ، ولم يكن قط في الصحابة ، ولا في
--> ( 1 ) ص : استعمال . ( 2 ) ص : واستعماله . ( 3 ) ص : المعرفة الباقية التي زودتهم . ( 4 ) ص : جزا . ( 5 ) ص : فإنهم .